أقــمــار الشــعــر
موقع الشاعر الطيب هلو

:: حوار مع الشاعر الطيب هلو حاوره الشاعر تيجاني بولعوالي

استهلال

  عندما شد رحاله نحو الجنوب، ترك خلفه إمضاءات مبهمة، وكلمات مستعصية على الفهم، كنت يومها أتبين في ملامح وجهه خطوطا دائرية ومتقطعة، تأبى الاستقامة, هل هي آثار جراحات قديمة، وهو طفل يداعب القول، لكن تخدشه الكلمات، أم هي ندوب الزمن الوجدي المتعثر بين حفيف السدر والنخلات، أم هي تجاعيد الحلم التي ظلت تبشر بولادة الكلمة بعد إجهاض مزمن..؟ هي احتمالات يصدع بها التأويل، لكن تعلقها الحقيقة فوق مشاكل الافتراض والظن.. والآن لقنته الغربة والبعاد، وهو وراء كثبان الرمل وأكوام الذكريات، كيف يقرأ جدران وجدة النائية وأصداء جذبتها الباهية، ويدرك أن سر حزن هذه المدينة اليتيمة لا يحل إلا بتمائم الشعر . والآن كذلك، لاح عن كثب ينضح بالكلمات والحروف، وقد استكملت خطوط وجهه دورتها ، واتصل ما تقطع منها، وبدت ملامح وجهه قمرا برتقاليا في ليل تمه ، هو خارطة قدت من شعر وعتاب ..

وتحت جنح الليل الوجدي البهيم، وعلى إيقاع الموسيقى الغيوانية الساحرة ونغمة القهوة الباردة تمت هذه المسامرة الأدبية العفوية التي سافرت بنا بين متاهات الشعر الغائرة ، ومستويات الكلمة المتلونة ورهانات الكتابة الملحة...

   منطق الوصاية 

س : إذا قمنا بقراءة موضوعية للواقع الثقافي بالمغرب , ندرك أن ثمة فجوات متعددة تتخلل أنساقه , وتعيق أغصانه من النمو والتبرعم , بل وتضرب حصارا غاشما على فعالياته الطموحة , وسوف يقتصر كلامنا على الممارسة الشعرية حتى لا نذهب كل مذهب من غير طائل , حيث إن أفظع ما نعانيه ,يتمثل في الوصاية التي يحاول البعض فرضها علينا , رغم أن ذواتنا مسكونة بالانفلات من أي تحديد , وكلماتنا مأخوذة بنزوة الانزياح عن أي تأطير , هذه الوصاية / الفجوة ذات منحيين ؛ إما أنها تصدر من بعض المنابر الحزبية التي " تفبرك " الكاتب حسب تصوراتها الخارج شعرية , أو أنها تأتي من بعض الشعراء الذين يزعمون أنهم بهذا الفعل يخلقون أسماء يتباهون بها .

  أمام هذه الوضعية المزرية , كيف يتعامل الشاعر الطيب هلو مع منطق الوصاية , وكيف يبدو موقفه من ذوي هذا المنطق الذين يترجحون بين أن يكونوا أوصياء للشعر وأدعياء لأفكارهم الخاصة ؟ بمعنى هل تعامله ـ بتعبير كريماس ـ مع هذه الوصاية يتخذ أسلوبا سجاليا أم تعاقديا ؟

ج : إن الإبداع هو الكائن الذي يحتاج إلى حرية لا مشروطة , لكي يوجد , وإلى قدر كبير من الحب لكي ينمو ويترعرع . إذا آمنت بهذا الرأي فإن الشعر هو الإبداع الأكثر انفلاتا من المنطق الوصائي , لا لوصاية الحزب , لأن السياسة لا تخلق الشعراء , وإنما تخنقهم . ويمكن أن نجيل النظر ونتصفح الوجوه التي تزدحم على صفحات الجرائد الحزبية لكي نتأكد من ذلك .. إن المبدع لا يمكنه ـ ولو أراد ـ أن يمرر سياية معينة , أما السياسة والأحزاب فيمكن أن تزكي أسماء لا تبدع , ولا أدل على ذلك من مهازل الشعر الذي نقرأ.. إذن فوصاية الحزب أساجلها ولا أتعاقد معها , خصوصا وأني أومن بقول نزار قباني :

     إن السياسة وحدها مستنقع           ماذا إذا التقت السياسة والبغاء؟!

أما الوصاية الشعرية التي يمارسها مبدعون , فإنها تشغلهم عن تطوير إبداعهم في محاولات فاشلة للتنميط .. ولا يمكن لشاعر أن يكون وصيا على شاعر آخر, إنما الوصاية التي يمارسها هي الحجر والإهمال , ولا مجال هنا لمناقشة ما يمارسه الجيل السابق من وصاية وما نعانيه من جراء ذلك .

إن المبدع هو من يكسر عصا الطاعة وينظر خلفه في غضب ـ كما قال أحد الروائيين الإنجليزـ وأظنك شاعرا بالأمر ذاته .

س : هذا لا ينبغي أن يوقعنا في الأحكام المطلقة , حيث يجعلنا الشعور بالتذمر نتجاهل أستاذية بعض الشعراء , الذين كشفوا جانبا من ظلماتنا .. وتسامح بعض المنابر التي احتضنت كتاباتنا بروح أمومية مسالمة ..

ج ـ قبل أن نوضح هذه النقطة يجب أن نحدد مفهوم الأستاذية . إن الأستاذية لا تكون في الإبداع , نعم هناك أساتذة أناروا لنا الطريق وكشفوا لنا نقاب الإبداع ودعمونا بالنصائح والإرشادات والتوجيهات , لكن دون أن يفرضوا علينا أن نقلدهم أو نكرس مفهومهم للإبداع لكن هناك من الأساتذة من

يحاول أن يخلق منك شاعرا على نمطه , وهنا تتجلى الوصاية في أبشع صورها .. أما عن المنابر ففعلا هناك منابرحزبية تؤمن بالإبداع دون أن تكون حاملا لبطاقة حزبها , وأنوه هنا بالملحق الثقافي لجريدة الميثاق الوطني والبيان الثقافي وجريدة الزمن ... ولعل الأمر يرجع إلى كون المشرفين عليها مبدعين .

ـ بين التقليد والتأثر

س ـ عندما كنا في أول اتلطريق , ونحن نخوض غمار الشعر ببراءة , كنت مأخوذا بنزار قباني , إن قراءة أو بحثا , يومها قال البعض : إن الطيب يستنسخ أشعار نزار , ويتمثل بعض أشعاره , أما اليوم , فقد سمعت أحدهم يقول : إنك تكرر محمد الطوبي , ما هو تفسيرك لهذه الأحكام الانطباعية ؟

ج ـ أنا لا أنفي عن نفسي التهم الجميلة , نزار قباني شاعر كبير , قرأته بنهم وحفظت شعره الذي أخذني إلى عوالم الدهشة التي يخلقها , وكثيرا ما أخذت من دواوينه مقاطع أخطها للحبيبة .. ولعل من درسوني , وأنا تلميذ كان لهم سحرهم في إيصالي إلى عالم نزار , قرأته وحفظته , وكنت مصرا على أن أختم علاقتي به ببحث الإجازة " البنية الإيقاعية في شعر نزار قباني " والذي قيل عنه  أنذاك إنه ملتقى الشعراء :نزار قباني موضوعا له ومحمد علي الرباوي مشرفا عليه والطيب هلو منجزا له ، لكني تخليت عن ذلك لاحقا، بعد أن بدأت ألتهم دواوين الشعراء المغمورين أكثر من المشهورين، فكتبت نصوصا مغايرة، أما محمد الطوبي فصديق أعتز بصداقته ولا أنفي أني أتأثر به، لكن دون تقليده، وربما الأمر المشترك هو التغني المفرط بالذات.. إن ضعف القراءة الشعرية عند البعض واقتصارهم على شاعر دون آخر هو الذي يجعلهم يلقون هذه الأحكام الانطباعية، فلا يمكن أن يقول أحد أن هذه الصورة مأخوذة من بودلير أو رامبو أو أراغون أو البردوني أو عبد المنعم رمضان أو عبد العزيز المقالع أو محمد بنعمارة أو الرباوي أو من الروايات والقصص والمسرح.. لسبب بسيط هو أنه لم يقرأ لهؤلاء مع أن تأثيرهم موجود في شعري أيضا.. لكني الآن بعد قمر العتاب بدأت في خلق عالم خاص سيظهر في مجموعة قادمة..

 ـ الشاعر الطفل:

  س: ونحن نتملى نصوص "قمر العتاب" ندرك أن كل شيء يومئ إلى الداخل إلى الذات. وأن مساحة الخارج تتقلص بالتدريج ، كأنما الشاعر يقدم لنا معطيات عالمه الخفي التي يحولها السياق إلى حالات إنسانية مختلفة..

 ج: بالطبع .. الشاعر طفل، وإذا كان عالم النفس والتربية جان بياجيه يرى أن الطفل يكشف ذاته أولا لينتقل إلى اكتشاف الآخر ، العالم ، الأشياء ، فإن الشاعر يبدأ بذاته يستفرغها مما تحمل يفجر كوامنها، يستنزف الذاكرة، يكتشف جسده، عالمه الخاص، بعد ذلك تنفتح عيونه على ألآخر.. إن الذات هي مربط الشعر، ولا أظننا معا في حاجة لنكرر قول عبد الرحمن شكري :  

                 ألا يا طائر الفردوس        إن الشعر وجدان.

  لكن التجربة القادمة ستكون للعالم، للخارج، فقد بدأت بتشكيل عالم شعري جديد منفتح، حيث تتسامق فيه الكلمة لمعايشة العالم، وبدأت بنص طويل عنوانه "أوسمة البكاء" عن الجزائر.

  س:يبدو من خلال هذا التفسير أنك تميز بين نوعين من الشعر أولهما ذاتي و الآخر موضوعي .. ثم إن ثمة من الشعراء من لم يتجاوز الذاتية , أي المرحلة الطفولية . ولا أدل على ذلك من التجربة الصوفية التي تبدأ من الذات لتنتهي إلى الذات .. هذا من جهة , ومن جهة أخرى ألا يمكن أن نعتبر الشعر إفرازا لجدلية الذات والموضوع ؟

 ج ـ الشعر عالم منفتح , وما هذه التسميات التي نمارسها إلا مصطلحات إجرائية , فالشعر شعر , وتصنيفه صعب , ولكن هذه التقسيمات هي سنن مرجعي قد لا يعيره الشاعر اهتماما .. وخفايا القصيدة أكبر من تظهر, وهنا أستعير قول النفري  ـ مادمت قد ذكرت التجربة الصوفية ـ " كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة " فالرؤية حين تشمل الذات والعالم والأشياء , فإنها تفتقر إلى لغة تضمها , فاللغة أعجز عن النعبير عن كل شيء , لذلك كان على الشعراء ألا يكلموا الناس إلا رمزا خوفا عليهم من أن ينهرق عليهم طيب الكلمات . إن الذات عالم منتج ومن حقها أن تكون موضوعا لما تنتج , كما القصيدة . لذلك ستلاحظ أن في" قمر العتاب" قصائد عن الشعر وعن الشعراء , أكثر من العالم والطبيعة .. أما عن التجربة الصوفية فهي عالم خاص ذاتي , لكنه أبدا ليس منغلقا , إنه تعايش ولكن بتستر , شأنها شأن السوريالية لأنها تؤمن بأن التجربة أكبر من وسائل التعبير . لهذا يقول روني شار : " القصيدة هي الحب المحقق للرغبة التي تبقى رغبة ."

ـ بين العنوان والمتن

س : من خلال تناولنا التفسيري ل"قمر العتاب " أدركنا أن تيمة الشعر تحضر بكثافة ( القصيدة ـ النشيد ـ الكتابة ـ الحبر ..) وأن العنوان الرسمي للمجموعة لا يسري عليها إلا لماما , ومن ثم فمن الأجدى لو أنك انطلقت من تيمة الشعر , ما هو رأيك في هذه الرؤية ؟

ج ـ  لن أدخل معك الآن متاهة العناوين , ولكن أقول لك إن العنوان إما أن يكون موازيا للعمل وإما أن يكون متقاطعا معه  ـ كما طرحت ـ و" قمر العتاب " جاء موازيا , حيث لم يتقاطع مع تيمة الشعر باعتبارها أكثر حضورا , ولكن أخبرك ـ وإن كنت لا أود أن أفسر العنوان ـ أن العنوان يمكن معادلته بكلمة الشعر أو القصيدة , لأنه مأخوذ من عبارة في النص الأول هي :

                همس النبيلة في مداراتي استوى

                قمرا تورد في استدارته العتاب

وهنا يمكن أن نؤول الهمس باعتباره صوتا خافتا إلى القصيدة التي نتجت عن كلام المحبوبة , وبذلك يكون الهمس هو الذي استوى شعرا متوردا , لكن العتاب هو أكثر علاقة بالقصيدة , لأن الديوان في عتاب الشعراء ويمكن أن أحيلك على " الشعراء نوافذ المنفى " ز" جموح القصيدة " . ويمكنك باعتبارك ناقدا تأويليا أن تقرأ العنوان قراءتك الخاصة

ـ مقام الغموض

س : إن دلالة النص عند الطيب هلو تتخذ اتجاها معقدا تبنينه الكثير من التيمات , كالبحر والعشق والنزيف والقصيدة ونحو ذلك . إما بكيفية تضافرية أو بأسلوب تقاطعي , مما يضفي ميسم الغموض على الدلالة العامة , التي تستند إلى غريب المعنى لا غريب اللفظ , هل هذا يعني أن الغموض وليد التركيب البنيوي للنص ؟

ج : قال جون كوكتو عن ملارميه : إن شعره غامض كالماس . وقال البحتري:

         علي نحت القوافي من مقاطعها         وما علي إذا لم تفهم البقر

وأكد الجرجاني أن الباحث عن المعنى كالباحث عن اللؤلؤ , يحس بلذة إذا وجد مشقة في شق الصدفة . كذلك القارئ الذي يجد مشقة في القراءة ليصل إلى المعنى يحس بمتعة الاكتشاف .. لذلك فأنا لا أقدم المعنى جاهزا , لذلك قال الكثير إن شعري غير مفهوم , لكنه جميل .. وعجيب أن يحس الإنسان بشيء وإن لم يفهمه , لذلك يجب أن يقرأ الإنسان الشعر بذاته ,بإحساسه , بدواخله كلها , لا ببصره فقط ..

 إن الغموض ينتج عن الانزياح الذي هو تعبير غير مألوف عن كون مألوف , وعن التناص الذي يتحدى ذاكرة القارئ ومعرفته . إن القارئ يجب أن يكون مثقفا , لأن زمن الشعر الاستهلاكي مضى .

    إن الانزياح التركيبي يتحدى العبارة الجاهزة , فيشتت ذهن القارئ , لكي يرجعها إلى أصلها , أو بتعبير القدماء : إرجاع المجاز إلى الحقيقة , لكي يفهم النمعنى , لذلك فالتركيب البنيوي للنص يولد الغموض , وهنا يجب أن نميز بين الغموض باعتباره صفة محمودة ـ كما يقول حازم القرطاجني ـ والإبهام باعتباره صفة سلبية لأنه لا طائل من ورائه .

س : يستفاد من هذا التفسير أنك لم تحلل الغموض إلا من وجهة ما يطرحه النص , على حساب جوانب أخرى تساهم في تكوين الشعر وولادته وتفشيه , كالخيال والموهبة والانفعال والمعاناة .. بمعنى أنك أغفلت الجانب النفسي الذي يمكن اعتباره المرجع الأساس في فهم التجربة الشعرية , حتى أن الغموض البنيوي في أشكاله الدلالية والتركيبية والإيقاعية .. ما هو إلا وليد الحالة النفسية الغامضة ؛ اللامفهومة .

ج: إنك بذلك تدخلني متاهة مناقشة الأبعاد النفسية , فعلا سنتفق في هذا الأمر باعتباره يمثل خارجية النص , ذلك لأن غموض الذات أساس لغموض الإبداع , فكلما كان المبدع في حالة نفسية مريحة كان إبداعه أقرب إلى الفهم , لكن هناك الجانب الآخر الخاص بالمجتمع وبرؤية المبدع . فكلما سطا القمع اتخذ المبدع الرمز والانزياح عن الوضوح مركبا للنجاة , وكلما كان المبدع مبشرا بآراء وأفكار كان الوضوح أكثر مسالكه ولوجا . إن الغموض ظاهرة عامة من الصعب الوصول فيها إلى نهاية . وأعود إلى تفسير غموض الصوفية والسوريالية بأنه ناتج عن خوف في الأولى وعن جنون في الثانية , ولعل دراسة الأدب السوريالي باعتباره يعتمد الكتابة الآلية , ولا يخضع لرقابة ولا تنقيح هي الكفيلة بإيضاح الغموض من الوجهة النفسية .

س : من هذا المنطلق , فالخوف أنتج قصيدة رزينة من حيث البناء والجوانب الجمالية وإن كان المعنى ينزع إلى الجنوح والتجاوز , في حين أنتج الجنون قصيدة فوضاوية في كل أبعادها , رغم هذه المفارقة العجيبة , فكلا القصيدتين تلتقيان على مستوى الغموض الفني .

ج : الخوف الصوفي ، خوف من البوح من انتشار التجربة ، وكأني بالمتصوفة يؤمنون بأن تجربتهم فريدة والبوح بها يخسرها قيمتها ، فهي كالخمر تبقى معتقة، لكنها تخسر مذاقها إذا انهرقت وتدوولت، لذلك نزعوا إلى الغموض المقصود لأنهم خصوا بالكشف والاتحاد وحلوا في الذات الإلهية وسكروا من الذكر. أما الجنون فهو وليد أزمة الحرب العالمية الثانية ، ووليد فوضى الذات المأزومة ولا يمكن أن يكون إبداع الجنون إلا غامضا.

ـ وجدة مدينة الشعراء لكن:

  س: بعدما ينهي القارئ مجموعتك الشعرية، يدرك أنك خذلت وجدة أو احتقرتها، رغم يتمها الجميل، وتاريخها اللافت، وأشيائها البهيجة التي تستهوي الذائقة الشعرية فتستمرئها، وانشغلت بأمور أخرى لا تمت بصلة إلى واقع مدينتك، هل تعمدت هذا الانسلاخ عن ذلك، عن وسطك عن... لتنسج عوالم مغايرة، أم أن اختفاء "وجدة البئيسة" حالة طارئة عندك ،أم أنها تشكل نصا غائبا ينبغي قراءته كما تقرأ النصوص الأخرى؟

  ج: وجدة.. هل هي مشتقة من الوجد أم من الوجود أم من الوجداني ؟ لا أعرف عن وجدة إلا مونها في القلب أو "دمعة ساخنة على الخد".. وجدة لا يمكن أن أنكر وجودها العميق في الوجدان، لا أرحل إلا وأشتاق إلى "مقاهيها التي تنبت كالفطر "كما قال الرباوي، لن أقول عنها ما قال بنعمارة :   آدم بدء / ومدينتي زانية. ولكن حين وصفتها بالبؤس , فلأنها تعيشه . ومحبتي لها لايمكن أن تجمل هذا القبح , بؤس وجدة خلقه الوضع / الواقع , خلقه أبناؤها الكسالى ومبدعوها الهاربون . حين تحدثت عن وجدة تحدثت عن بؤس حياتها , عن عكاظها الباهت , عن فرع اتحاد كتاب المغرب النائم بها , عن كليتها العاجزة عن إرساء تقليد ثقافي , عن مبدعيها الذين " يجلسون في المقاهي , يتحدثون في أمور الحداثة ويتتبعون الأرداف المارة " كما قال الصديق جمال بوطيب .

لقد كتبت ـ بعد قمر العتاب ـ قصيدتين عن وجدة ؛ " من وخدة الشغب الآتي " و" غفرانك وجدتي إني قد صبئت " أما وجدة كفضاء , فلا يمكن إلا أن أتلمس قدمي كلما وطئت أرضها وتنسمت أنفاسها . إن وجدة مدينة الشعراء لكن لم ينصفها مبدعوها بعد .

                                           البيان الثقافي ع 24 / 1997                                    

 

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home